المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرية اللغة


عبدالله محمد الشامخ
10-30-2010, 12:18 PM
نظرية اللغة

يتشكل الخطاب النصي من أبنية لغوية الأمر الذي يقتضي من أي مقاربة علمية له أن تتأسس على اللغة، باعتبارها أهم متغير مناسب لطبيعته ، ومن ثم فإن نظرية اللغة وما يعتريها من تحولات تقع في ذروة النسق المعرفي المتصل بالبلاغة والأدب .
والإطلالة المركزة على أبرز هذه التحولات تعد مدخلاً مشروعاً للكشف على مبررات القطيعة المعرفية التي تتجلى أحياناً في بلاغة الخطاب وعلم النص الجديد بالقياس على المراحل السابقة ، ولقد بقي الجواب على الأسئلة اللغوية – طيلة ألفي سنة – خاضعاً لنظرية أرسطية في جوهرها تقوم على اعتبار الكلام تعبيراً عن التفكير ، مما جعل اللغويين يعتمدون على قوانين الفكر المنطقية ، كما كانوا يتصورون أنهم يعرفونها إبان تلك العصور ، ليستخرجوا منها قوانين الكلام .
بيدا أن العلاقة بين اللغة والمنطق قد اتخذت مساراً جديداً بعد ملاحقة المتغيرات المنهجية التي طرأت على كل منهما ، ومع أن بعض الفلاسفة المحدثين يقول : بأنه لم يعد هناك مبرر لكي نحتفظ بالتوازي بين المنطق واللغة لأن شرعية اللغة ليست شرعية الفكر ، فإن في ذلك التعميم خطورة إذ أن الفجوة بدأت تتضاءل بين المنطق واللغة بفعل حركة متزاوجة ومتزامنة من كلا الجانبين ، فالنحو التحويلي حاول في البداية أن يرجع الأشكال النحوية المتنوعة في الظاهر إلى بنية واحدة عميقة ، كما أمكن تطبيق نفس المنهج على علم الدلالة مما جعل تقارب الأنظمة المنطقية والأشكال السطحية للخطاب اللغوي ممكناً بعد أن كان أمراً ميئوساً منه .
وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار التطورات التي لحقت بالمنطق ذاته ، فالمنطق كما هو معروف مر بمرحلتين كبيرتين في علاقته باللغة ، فالأولى تمثلت في المنطق الأرسطي المبني على أساس التعريفات ذاتها ، أما المرحلة الثانية التي أسفرت عن القطيعة الواضحة بين الجانبين وتمثلت عندما بنى كل من (بول) و (مورجان) نموذج المنطق كلغة صناعية تهدف إلى تفادي وجوه القصور في اللغة الطبيعية ، وفعلوا كل ذلك بمنهج رياضي بحت متجاهلين المنطق العملي الطبيعي ، وهذا ما حرص المفكرون اللاحقون على تفاديه بإقامة لون من (المنطق التأملي ) الذي يعنى بكشف قواعد الفكر الشعوري .
والتعريفات التي تقدم اليوم عن اللغة تتأسس على منطلقات وظيفية ، وتأخذ في حسابها لغة الحياة بمستوياتها المختلفة باعتبارها ظاهرة بشرية، ولذل فإنها كما يقول الباحثون قد كفت عن أن تكون ماهية مجردة. وكف الفكر البشري عن اعتبارها روحاً يتجسد في الكلام الذي هو الاستخدام التعبيري لها ، فاليوم لم يعد ممكناً أن نبحث عن علة وجود اللغة أو شرعية بقائها في غير الحدث التعبيري ، والكلام يعد الإطار الشرعي لحياة ظاهرة اللسانية .
ويتبين لنا من ذلك أن مجموعة التحولات المعرفية والمنهجية التي جدت في نظرية اللغة وأصولها ، ومستوياتها ووظائفها ، والفلسفة العلمية الكامنة وراءها تمس بشكل مباشر مفهوم الخطاب وطرق تحليله ووظائفه المتعددة بشكل كلي شامل ، وحتى لو اتفقنا على استصفاء بعض الجزئيات التقنية من حصيلة البلاغة القديمة والإبقاء عليها فلابد حينئذ من إدراجها في نسق جديد يستجيب للبنية المعرفية المحدثة في الشرح ولتفسير ويخضع لآليات القياس العلمي المنضبط .